ابن عجيبة

594

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ومن نظر إلى باطنه تاه على الوجود بأسره ، لكن من آداب العبد : ألا يظهر بين يدي سيده إلا ما يناسب العبودية ، من الضعف ، والذل ، والفقر ، فإذا تحقق بوصفه مدّه اللّه بوصفه . وبالله التوفيق . ثم ذكر مثال أهل الكفر ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 22 إلى 34 ] احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ( 22 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ( 24 ) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ( 25 ) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ( 26 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 27 ) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 29 ) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ( 30 ) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ( 31 ) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( 32 ) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ( 33 ) إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 34 ) يقول الحق جل جلاله للملائكة يوم القيامة : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي : اجمعوا الذين كفروا وَأَزْواجَهُمْ ؛ وأشباههم ، فيحشر عابد الصنم مع عبدة الأصنام ، وعابد الكواكب مع عبدتها . أو : نساءهم الكافرات ، أو : قرناءهم من الشياطين . و « الواو » بمعنى « مع » ، أو : عاطفة . وَما كانُوا يَعْبُدُونَ ، مِنْ دُونِ اللَّهِ أي : الأصنام ، اجمعوها معهم ، فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ أي : دلّوهم على طريقها ، وعرّفوهم بها . وعن الأصمعي : يقال : هديته في الدين هدى ، وهديته الطريق هداية . وَقِفُوهُمْ : احبسوهم إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن أقوالهم وأفعالهم وعقائدهم ، ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ ؛ لا ينصر بعضكم بعضا . وهذا توبيخ لهم بالعجز عن التناصر ، بعد ما كانوا يتناصرون في الدنيا ، أو : استهزاء بهم . وقيل : هو جواب لأبى جهل ، حيث قال يوم بدر : نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ « 1 » ، وجملة النفي : حال ، أي : ما لكم غير متناصرين ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ؛ منقادون لما يراد بهم ؛ لعجزهم ، وانسداد أبواب الحيل عليهم ، أو : قد أسلم بعضهم بعضا وخذله . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ أي : التابع على المتبوع يَتَساءَلُونَ ؛ يتخاصمون ، ويسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتسخط ، قالُوا أي : الأتباع للمتبوعين : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي : تصدوننا عن

--> ( 1 ) كما حكت الآية 44 من سورة القمر .